محمد متولي الشعراوي
10483
تفسير الشعراوي
الحق تبارك وتعالى يُطمئن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يا محمد لا تهتم بكثرة الكفار ومكرهم بك وتعاونهم مع شياطين الإنس والجن ؛ لأن هؤلاء سيتساقطون ويموتون ، إما بأيديكم ، أو بعذاب من عند الله ، وعلى فَرْض أنهم عاشوا فلن تغلب قوتهم وحِيلُهم قوة الله تعالى ومكره ، وإنْ توكلوا على أصنام لا تضر ولا تنفعَ ، فتوكل أنت على الله : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ } [ الفرقان : 58 ] . والعاقل لا يتوكل إلا عل مَنْ يثق به ويضمن معانوته ، وأنه سيوافقك في كل ما تريد ، لكن ما جدوى أنْ تتوكل على أحد ليقضي لك مصلحة ، وفي الصباح تسمع خبر موته ؟ وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن ينصِّح خَلْقه : إنْ أردتَ أنْ تتوكل فتوكل على مَنْ ينفعك ولا يتركك ، على مَنْ يظل على العهد معك لا يتخلى عنك ، على مَنْ لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . هذه هي الفِطْنة . لكن ما جدوى أن تتوكل على مَنْ ليس فيه حياة ؟ وعلى فرض أن فيه حياةً دائمة فلا تضمن ألا يتغير قلبه عليك ؟ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } [ الفرقان : 58 ] سبِّح يعني : نزِّه ، والتنزيه تضعه في إطار { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى : 11 ] فلله وجود ، ولك وجود ، لكن وجوده تعالى ليس كوجودك ، ولله صفة ولك نفس الصفة ، لكن صفته تعالى ليست كصفتك ، ولله تعالى فعل ، ولك فعل ، لكن فعله تعالى ليس كفعلك . إذن : نزَّه الله في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله عن مشابهة الخَلْق ، وما دام الحق سبحانه مُنزَّهاً في ذاته ، وفي صفاته ، وفي أفعاله ، فأنت تتوكّل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير أبداً .